محمد بن جرير الطبري

52

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قالوا : أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ أي ألم نقل لك : لا يقربنك أحد ، فإنا لن نجد عندك أحدا إلا فعلنا به الفاحشة . قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فأنا أفدي ضيفي منكم بهن . ولم يدعهم إلا إلى الحلال من النكاح حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : هؤُلاءِ بَناتِي قال : النساء واختلفت القراء في قراءة قوله : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فقرأته عامة القراء برفع أطهر ، على أن جعلوا " هن " اسما ، " وأطهر " خبره ، كأنه قيل : بناتي أطهر لكم مما تريدون من الفاحشة من الرجال . وذكر عن عيسى بن عمر البصري أنه كان يقرأ ذلك : " هن أطهر " لكم بنصب " أطهر " . وكان بعض نحويي البصرة يقول . هذا لا يكون ، إنما ينصب خبر الفعل الذي لا يستغني عن الخبر إذا كان بين الاسم والخبر هذه الأسماء المضمرة . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : من نصبه جعله نكرة خارجة من المعرفة ، ويكون قوله : " هن " عمادا للفعل فلا يعمله . وقال آخر منهم : مسموع من العرب : هذا زيد إياه بعينه ، قال : فقد جعله خبرا لهذا مثل قولك : كان عبد الله إياه بعينه . قال : وإنما لم يجز أن يقع الفعل هاهنا لأن التقريب رد كلام فلم يجتمعا لأنه يتناقض ، لأن ذلك إخبار عن معهود ، وهذا إخبار عن ابتداء ما هو فيه : ها أنا ذا حاضر ، أو زيد هو العالم ، فتناقض أن يدخل المعهود على الحاضر ، فلذلك لم يجز . والقراءة التي لا أستجيز خلافها في ذلك : الرفع هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه مع صحته في العربية ، وبعد النصب فيه من الصحة . وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي يقول : فاخشوا الله أيها الناس ، واحذروا عقابه في إتيانكم الفاحشة التي تأتونها وتطلبونها . وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي يقول : ولا تذلوني بأن تركبوا مني في ضيفي ما يكرهون أن تركبوه منهم . والضيف في لفظ واحد في هذا الموضع بمعنى جمع ، والعرب تسمي الواحد والجمع ضيفا بلفظ واحد كما قالوا : رجل عدل ، وقوم عدل . وقوله : أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يقول : أليس منكم رجل ذو رشد ينهى من أراد ركوب الفاحشة من ضيفي ، فيحول بينهم وبين ذلك ؟ كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ أي رجل يعرف الحق وينهى عن المنكر القول في تأويل قوله تعالى قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ يقول تعالى ذكره : قال قوم لوط للوط : لَقَدْ عَلِمْتَ يا لوط ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ لأنهن لسن لنا أزواجا . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قالُوا : لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أي من أزواج ؛ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ وقوله : وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ يقول : قالوا : وإنك يا لوط لتعلم أن حاجتنا في غير بناتك ، وأن الذي نريد هوما تنهانا عنه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ إنا نريد الرجال حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ أي إن بغيتنا لغير ذلك ، فلما لم يتناهوا ، ولم يردهم قوله ، ولم يقبلوا منه شيئا مما عرض عليهم من أمور بناته . قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ القول في تأويل قوله تعالى : قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يقول تعالى ذكره : قال لوط لقومه حين أبوا إلا المضي لما قد جاءوا له من طلب الفاحشة وأيس من أن يستجيبوا له إلى شيء مما عرض عليهم : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً بأنصار تنصرني عليكم وأعوان تعينني ، أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يقول : أو أنضم إلى عشيرة مانعة تمنعني منكم ، لحلت بينكم وبين ما جئتم تريدونه مني في أضيافي . وحذف جواب " لو " لدلالة الكلام عليه ، وأن معناه مفهوم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قال لوط : قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يقول : إلى جند شديد لقاتلتكم حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ